قبل أسابيع طلع علينا سيادة اللواء المؤمن حسين فكري مساعد وزير الداخلية لحقوق الإنسان في حوار على صفحات «أخبار اليوم» يؤكد فيه ان وزارة الداخلية في سبيل «تنفيذ» فكرة «الشرطة الشعبية»، وتقرر البدء بقسمي شرطة السيدة زينب وعابدين، ومن ثم تعميم التجربة على بقية اقسام القاهرة.. ومن بعدها جميع محافظات مصر. وطبعاً مرت أسابيع، وأغلق الضباط والأمناء والجنود أقسام الشرطة، ووصلت الرسالة ولم نسمع ان الفكرة اخذت طريقها للتنفيذ.
وبعدها بأيام، وعلى طريقة «طب نلعب غيرها»، صدمنا بتسريب خبر منسوب الى وزارة العدل عن وجود تعديلات «تشريعية» تتم دراستها بشكل عاجل للسماح لشركات الحراسة الخاصة بالتسلح بالذخيرة الحية في حالة حراسة المنشآت الخاصة وخدمات نقل الأموال وغيرها.
وطبعاً ثارت الأحزاب المعارضة، وانتفض الحقوقيون وجماعات المجتمع المدني ورفضوا الفكرة رفضاً قاطعاً. منددين بأن هذه الأفكار الخطيرة تشكل خطراً بالغاً على المجتمع، وتسمح بأن تكون مثل هذه الشركات ستاراً لتسليح فصائل سياسية بعينها ما يهدد السلم الاجتماعي، واختفت الفكرة فجأة كما ظهرت فجأة.
.. ولم تمض سوى أيام معدودة حتى انفجرت في وجوهنا قضية: «منح المواطن العادي حق الضبطية القضائية»، وهي القضية التي ملأت مصر ضجيجاً بلا طحين، وولدت سفاحاً لا أب لها.. ولا أم حتى!!.. فجأة طالب النائب العام باستخدام كل مواطن لحقه الذي كفله له القانون في مساعدة رجال الشرطة على ضبط الامن ومنع تخريب المنشآت. وتطايرت رصاصات الاعتراض.. لتواجهها دروع التأييد وانقسم الشارع المصري فسطاطين، سارع الليبراليون لرفض الفكرة ونقدها، وهاجم المعارضون مفكرها.. ومروجها.. وناقلها وباثثها.. وحاضنها ومحتضنها!!.. ودافع مستشارون اجلاء عنها باعتبارها صادرة عن النائب العام طبعاً، لكنهم سرعان ما تراجعوا عن آرائهم أو صمتوا عن التعليق بعد ان زادت وطأة الاعتراضات والضغوط، واصدر سيادة النائب العام يوم الاثنين الماضي بياناً نفى فيه منح حق الضبطية القضائية للمواطنين مؤكداً ان «بيانه» الأول أسيء تفسيره، وانه يقصد ما جاء في نص المادة «37» من قانون الاجراءات الجنائية التي تنص على انه «لكل من شاهد الجاني متلبساً بجناية او جنحة يجوز فيها قانوناً الحبس الاحتياطي أن يسلمه الى اقرب رجل من رجال السلطة العامة دون احتياج الى أمر بضبطه».
واكد سيادة النائب العام أن تخريب المنشآت العامة والخاصة، وقطع الطرق وتعمد تعطيل المواصلات العامة وبث الرعب بين المواطنين وغلق المؤسسات الحكومية والخاصة، ومنع موظفي الدولة من اداء عملهم هي جميعاً جرائم يعد مرتكبوها في حالة تلبس ويحق للمواطنين «الامساك» بمرتكبيها ما دام انهم شاهدوهم في حالة تلبس، وتسليمهم الى اقرب رجل شرطة او احد مأموري الضبط القضائي».
انتهى كلام سيادة النائب العام المحترم، الذي – في رأيي - قد اختار توقيتاً حرجاً لاصدار بيانه الأول الذي فسر خطأ، وتوقيتاً أكثر حرجاً للتأكيد على دعوة المواطنين لـ «الإمساك» بمن يرون انهم يرتكبون جرائم يجوز فيها قانونا «الحبس الاحتياطي»!!.. وكأن كل مواطن مصري شريف يعرف تماماً ماهية «الجرائم التي يجوز فيها الحبس الاحتياطي»، ويعرف كيف «يمسك» من يعتقد انه مجرم دون أن يخرق المواطن نفسه القانون بتفتيشه او استخدام القوة لـ «إمساكه»!!.. ودون ان يرتكب المواطن الشريف جناية «احتجاز مواطن» وتقييد حريته دون وجه حق!!..
سيادة النائب العام.. أرجوك.. البلد مش ناقصة.. أفكار «حصيفة» وكفاية النار التي تكاد تأكلها!.
وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء.