حاولت جاهداً ألا أبطل صيامي.. وقاومت طويلاً كي لا أخسر الثواب في هذا الجو القائظ الملتهب، واستخدمت الحد الأقصى لضبط النفس كي لا ينفلت لساني بما لا يليق بحرمة الشهر الفضيل.. لكن النتيجة كانت ارتفاعاً صاروخياً لضغط الدم، جعله يصل لدرجة الغليان في العروق، ويتحول مع ارتفاع مستوى السكر الى «عسل أسود» ومنيِّل وغير مصفى، وبالرغم من مواصلة الاستعاذة بالله من شياطين الإنس والجن، والاستغفار من كل ذنب، والحوقلة المتواصلة، وجدت نفسي أصرخ دون انتباه: «إلهي بحق الشهر الكريم.. تتفضح فضيحة اللحمة في السوق قادر يا كريم، وتطلع روحك الرياضية بعدما تتحبس يا بعيد في زنزانة واحدة مع «فرافيرو» بلطجي القليوبية، و«عليان» بلطجي مصر القديمة، و«المؤ» بتاع بورسعيد، و«المناخلي» اللي في الشرقية، و«سمبل» بني سويف، وكل ما عينك تغمض – ده إذا غمضت – يطلعلك عفريت «خنوفة» بتاع «أثر النبي»!
وقبل ما يحاكموك، يحطوك على دايرة السنتر ويفضل عماد متعب يشوط فيك لحد ما يوصلك للجون، وبرضه مش هيعرف يدخلك الشبكة!
تعطل عقلي عن استيعاب لغز كيف لمصري أن يقبل بفضيحة «المحروسة» هذه الفضيحة العالمية المدوية التي تناقلتها تلفزيونات ووكالات أنباء العالم من «المدعوقة» إسرائيل الى «مرات أبونا» أمريكا؟
وكيف سمح ضميره أن «يضحّك علينا» العالم، ويقبل أن يرتدي منتخبنا الأولمبي «هلاهيل» مضروبة على أنها أصلية ماركة «نايكي» العالمية، لتصبح فضيحتنا بجلاجل؟
القصة كما اكتملت خيوطها بدأت بشكوى إحدى لاعبات المبارزة المشاركات في الأولمبياد من ضيق حذائها الرياضي الذي تسلمته ضمن «الحقيبة» الفضيحة، فذهبت الى الوكيل الرسمي لتغييره، ليفاجأ بأنه «مضروب» ويرفض تبديله، ويرسل خطاباً بالقصة الى اللجنة الأولمبية الموقرة يوضح أن محتويات «الحقيبة» الرسمية «مقلدة» وغير أصلية، وتهدد بفضيحة أمام عيون وعدسات العالم، ولكن وكعادتنا الأصيلة، لم «يرفّ رمش» لمسؤول كبير أو صغير لما جاء بخطاب الوكيل الرسمي، ولم يشغل أحد تفكيره لحظة واحدة بما يمكن أن يحدث لمصر واسم مصر في عاصمة الضباب التي تستضيف الأولمبياد العالمي،.. ومعهم جميعاً حق فلماذا القلق وسمعة مصر هي آخر همهم؟، وكالعادة «يكفينا» التمثيل المشرف بملابس مضروبة، وجاء دفاع «الأولمبية» باهتاً يثير الضحك، فقد صرحوا بأنهم أعلنوا عن مناقصة رسمية لتوريد «الحقيبة» وبها: بدلة تدريب (تريننج سوت)، وحذاء، وشورت و2 تي شيرت وشراب، من إحدى الماركات العالمية، فكانت أقل الأسعار 595 جنيهاً، أي حوالي 95 دولاراً!! فقبلوا به، على الرغم من أن هذا السعر بالكاد يساوي سعر «جاكت» التريننج سوت وحده في سوق «الكانتو» بتاع الصين!.. ولم يُثِرْ ذلك شك أحد، أو دهشته، ولِمَ قد يستغرب أو يفكر أصلاً.. طالما أن «بَدَل» السفر قد استقر في جيبه، فلتذهب «بِدَل» التدريب ومعها سمعة مصر الى الجحيم!
وانتهى الموضوع بتحويل الأمر برمته الى النيابة لتتخذ إجراءاتها، التي أتمنى أن تنتهي بالمسؤول عن هذه «الفضيحة» هو وكل من «ساعده» - بحسن نية طبعاً – الى العقوبة التي بدأت بها هذا المقال.
والأدهى والأمرّ أن انقاذ الموقف أعلنت عنه صحيفة «إسرائيلية» مؤكدة ان شركة «نايكي» العالمية «تبرعت» لأعضاء البعثة المصرية بأطقم أصلية درءاً للفضيحة، وهو ما حدث بالفعل.
وأدعو الله بعد أن تعود بعثتنا الأولمبية من رحلة «التمثيل المشرف» ألا يتوانى الشرفاء في مواقع المسؤولية عن أخذ حق «مصر»، واستعادة كرامتها التي أهدرها شخص فاسد عديم المسؤولية، خالٍ من أي شعور وطني، هو وكل من سانده وساعده، والا «يكفوا على الخبر ماجور» كما هي العادة في السابق، لأنه في هذه الحالة سنكسر «الماجور» على رأس كل مسؤول فاسد.
وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء.
حسام فتحي
hossam@alwatan.com.kw
twitter@hossamfathy66