صاحب الابتسامة الهادئة.. والحركة الدؤوبة «عصام الأمير»، رئيس التلفزيون المصري، أعانه الله على التركة الثقيلة، التي شاء الله أن يحمل مسؤوليتها في أصعب ظرف يواجهه إعلامي، فالجهاز – مع الأسف – كان سيئ السمعة، لارتباطه الشديد بالنظام السابق، ومواقفه أثناء الثورة – لا مؤاخذة – لم تكن تسر عدواً ولا حبيباً، وأخطاؤه لا تحتمل، وخطاياه لا تغتفر… ولا ألوم في ذلك أحداً، فقد كان هذا ما يريده النظام، وما يأمر به سدنته الشريف والفقي ومن دار في فلكهم، وأكل من ماعونهم!
بتفانٍ وإخلاص نجح عصام في تحويل «الفسيخ» الى شيء آخر، بالتأكيد ليس «شربات» لكنه على الأقل أصبح أبعد ما يكون عن الفسيخ، رائحة وطعماً، وكانت الفرصة المواتية التي استغلها هي فسحة الحرية التي نعيشها، فحاول الرجل أن يغيّر انطباع المصريين عن تلفزيون بلادهم، وأعتقد أنه نجح في ذلك فشاهدنا وجوهاً لم نكن نحلم برؤيتها على شاشة التلفزيون الرسمي، وسمعنا آراء جعلتنا نقترب من الشاشة لنتأكد من «الهرم». وكلمة المصرية في زاوية الشاشة!!
بالطبع لا يمكن أن يتخلص الرجل «تماما» وفي ليلة وضحاها، من العقليات القديمة التي عششت في «ماسبيرو» عقوداً طويلة، ولكنه على الأقل «يحاول»،.. كذلك لا نطلب منه النجاح الفوري في منافسة القنوات الخاصة، الأكثر حرية، والأقل ضوابط، والأعلى أجوراً، والأوسع استقطاباً، لكن الآن هو وقت التحدي الأكبر للتلفزيون المصري في أن يقدم تغطية متميزة، وعلى مدار الساعة لأهم انتخابات رئاسية تشهدها مصر، مستغلاً في ذلك شبكة مراسليه، وإمكانياته «الفنية» التي يصعب أن تجاريه فيها القنوات الخاصة،.. نريد من التلفزيون الرسمي أن يستغل الفرصة ويتحول من رسمي الى «وطني»، ويبهرنا بتغطية تنسينا أخطاءه الماضية، وتدفعنا لغفران خطاياه السابقة،.. تغطية تجعل أجهزة التحكم تتسمر أمام «الهرم».. وتتوقف عن القفز الحر بين القنوات.
فالمصري شاهد طوفان القنوات الفضائية الخاصة، وهو موقن في قرارة «وعيه» أنها تسعى لجذبه بكل الطرق لتحقيق مصالحها الخاصة، ومصالح ملاكها وفي سبيل ذلك تصنع «العجائب».
أما تلفزيون مصر «الرصين»، «المحترم» فكان يشاهده في عصر «المخلوع» وهو يعلم أنه بوق النظام الأول، وخادمه المطيع، وعبده الذي لا ترفض له رغبة، وجاريته التي تسعى لإرضائه قبل أن يطلبها.
لكن المصريين الآن يرغبون في التأكد من أن كل جواري وعبيد النظام السابق من وسائل الإعلام قد آلت ملكيتها إليهم، واتفقوا على «عتقهم» بشرط بسيط أن يقولوا كلمة الحق، ويبتعدوا عن شهادة الزور، والنطق بالبهتان، وألا يسارعوا بعد أن حررتهم الثورة من ربقة الرق للنظام والعبودية للحاكم وزبانيته الى البحث عن سيد جديد.
كلمة أخيرة في أذن الصديق العزيز الجميل عصام الأمير: «ابعد عنك من تجري في عروقهم دماء الرق والعبودية، واقصِ من تنتشر في خلايا عقولهم «فيروسات» الذل والانهزامية، واعتمد على الشباب الواعد، الجريء الذي لم تلوثه جراثيم النظام السابق، وأمامك فرصة ذهبية.. اقتنصها.. لتستعيد المصريين الى شاشة «تلفزيونهم» الوطني.
وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء.
حسام فتحي
hossam@alwatan.com.kw
twitter@hossamfathy66