.. اختارت الحكومة ان تجرعنا الدواء المر دفعة واحدة، ومن الطبيعي ان تتقلص عضلات الوجه عند البعض، أو تبدو علامات التأفف والتذمر، أو يصرخ آخرون احتجاجاً وغيظاً،.. لكن الجميع يعلم ان تجرع الدواء المر، وتحمل آلام الكي، أمر لا بد منه حتى يتعافى المريض ويتجنب مضاعفات لا تحمد عقباها.
منذ متى ونحن نسمع ونقبل ترديد الرؤساء ورؤساء الوزارات والوزراء المتعاقبين لعبارة: «.. لا مساس بمحدودي الدخل،.. ولا بد من ترشيد الدعم،.. وضرورة ايصال الدعم لمستحقيه،.. وارتفاع الأسعار لن يؤثر في الفقراء،.. والحفاظ على تماسك الطبقة الوسطى مسألة أمن قومي».. والعشرات من هذه العبارات التي دأب المسؤولون على ترديدها مرارا وتكرارا، ومع ذلك كان دعم المحروقات يذهب لذوي السيارات الفارهة، ودعم الخبز يصب في مزارع تربية الدجاج، ودعم الكهرباء يدخل جيوب أصحاب المصانع المعفاة من الضرائب!!
وجميعنا يلمس الخلل.. ويعرف مواطنه، ويدرك قدر الكارثة، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على تعليق الجرس في رقبة القط، وعندما حاول السادات ذلك، كانت مظاهرات 17 و18 يناير 1977 التي كان المحتجون يصرخون فيها «سيد بيه يا سيد بيه.. كيلو اللحمة بقى بجنيه»!!
وخلال 37 عاماً منذ عام 1977 تضاعف سعر كيلو «اللحمة» بأكثر من 80 ضعفاً، وارتفع سعر رغيف الخبز 50 ضعفاً من نصف قرش إلى 25 قرشاً، والشعب المصري صابر.. ومتحمل لكل ما ينجم عن «روشتات» إصلاح الاقتصاد «المضروبة» من نتائج كارثية.
.. وبالرغم من الاعتراض على «أولوية» تحقيق العدالة بزيادة أسعار المحروقات، لما له من أثر سلبي في بقية القطاعات، غير أننا نحترم آراء خبراء الاقتصاد الذين يرون في ذلك إصلاحاً هيكلياً ضرورياً آن أوانه بعد تأجيله لعقود طويلة اتقاء لغضب شعبي أو خشية وقوع اضطراب اجتماعي لا تحمد عقباهما.
ويبقى أمام حكومة محلب التي تجرأت واتخذت القرار الأكثر مرارة، أن تواجه تبعاته وعواقبه.
أما التحدي الأكبر والأهم فهو «كبح» ارتفاع الأسعار، و«لجم» جشع التجار، والسيطرة على اسعار الخدمات والتاكسي والميكروباص ووسائل نقل البضائع التي لو لم تتم السيطرة عليها، فستقع كارثة «الاضطراب» الشعبي لا قدر الله.
.. كذلك الإسراع بتقديم مجموعة الخدمات التي وعدت الحكومة ان توجه لها وفر الـ51 مليار جنيه الذي سيتحقق من زيادة اسعار المحروقات والكهرباء، وأعني 22 مليارا لإصلاح الخدمات في قطاعي الصحة والتعليم، و10 مليارات لتطبيق الحد الادنى للاجور و12.7 مليارا لزيادة المرتبات والمعاشات و5.7 مليارات لتوسيع قاعدة المستفيدين من نظام الضمان الاجتماعي، وبضع مئات الملايين الباقية لتنفيذ مشروعات خدمية للفقراء.
أما العقبة الأساسية فهي استيعاب غضب الفقراء، وردة فعل المحتاجين، واستياء المعوزين، وصدمة المصريين الأشد فقرا، الذين لم يتعودوا «تصديق» الحكومات المتعاقبة عندما يغني مسؤولها «موَّال» حماية الفقراء، وهذا الأمر سينتهي عندما تنجح الحكومة في تحقيق وعودها، ويبدأ المواطن في «الإحساس» بالتغيير في الخدمات التي وعدت الحكومة بتوجيه الـ 51 ملياراً لدعمها، والذي «يستحب» أن يكون في أسرع وقت ممكن.
وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء.