توقفت مفزوعاً أمام مقطع فيديو أرسله لي أحد الأصدقاء، ووضع عليه عنوان «قطع الطريق وفرض إتاوات على أصحاب السيارات والتاكسي واتوبيسات النقل الخاص في وضح النهار».
الفيديو المثير للاشمئزاز يوضح قيام مجموعة من الصبية يرتدي بعضهم ملابس سوداء ويغطي وجهه، تشبهاً بـ«البلاك بلوك»، والبعض لا يأبهون بتغطية وجوههم وجميعهم يمسكون بالأسلحة البيضاء و«الشوم» ويقطعون الطريق على كورنيش نيل القاهرة الساحرة، وعلى بعد عشرات الأمتار فقط من مجموعة الفنادق السياحية المجاورة لهيلتون النيل، وفي وضح النهار يختارون سيارة خاصة أو تاكسي، ويتحلقون حوله مستغلين زحام الطريق وبطء حركة المرور، ثم يمدون أيديهم إلى داخل السيارة ويحصّلون «الإتاوة» من السائق أو صاحب السيارة أو الركاب، ومن يدفع.. يمر.. ومن يعترض أو يحاول المقاومة أو يضغط «دواسة» البنزين محاولا الفرار يكون نصيبه أو «نصيبها» تهشيم زجاج السيارة أو ضربة «طوبة» أو جرح بشفرة سلاح أبيض!!
هكذا وصل بنا الحال إذن؟..
حالة الانفلات الأمني وصلت حد ألا يأمن مصري على نفسه أو أهله داخل سيارته وسط القاهرة في وضح النهار؟
الغريب أن الخلفية الصوتية للفيديو كانت «سارينات» متعاقبة لسيارات النجدة، بينما هؤلاء الفتية البلطجية قاطعو الطريق يواصلون عملهم.. بلا أي «اندهاشة»! وكأنهم أمنوا العقوبة.. فأساؤوا الأدب والسلوك والتصرف والتربية وكل شيء!
والأغرب أنه لم يتدخل شرطي أو ضابط شرطة أو جيش لإيقاف المهزلة التي أطل السائحون من شرفات غرفهم ليلتقطوا لها الصور التذكارية!.. فيما تعامل المصريون سواء عابرو الطريق أو مستقلو السيارات مع الموقف على طريقة «طالما لم يطلني.. فالحمد لله»، واكتفوا بالنظر إلى ما يحدث، وكأنه يتم في دولة أخرى!
اتصلت بصديق عزيز يحمل رتبة كبيرة في الداخلية معاتباً، ومتسائلاً عن السر فكان رده صادماً:
«شوف يا أستاذ حاولنا التصدي لهؤلاء الصبية، وهم بالمناسبة من زعماء أطفال الشوارع والبلطجية والمسجلين خطر، فاحتموا بالميدان، وذابوا وسط من يحلو لك أن تسميهم بالثوار، ووضعنا الخطط لضبطهم والتعامل معهم أمنياً، فأطلقوا الرصاص الحي على ضباطنا وجنودنا، وممنوع علينا استخدام أسلحتنا للدفاع، فماذا تريدنا أن نفعل»؟
أنهيت الحديث، دون اقتناع بوجهة نظره، وأبلغته أنه لابد من وجود حلول أمنية لمثل هذا الوضع المزري، وإلا سينتشر «نجاح» هؤلاء، ويتم «استنساخ» هذه المصيبة وتطويرها فلا نأمن أن يخرج أهلنا من بيوتهم أساساً!!
.. ولا أدري صدقاً إن كان ذلك يحقق أهداف «الفلول» لدفع المصريين للصراخ: «ولا يوم من ايامك يا عادلي»!!
.. أو أنه يثبت وجهة نظر «الثوار» والمعارضين في فشل وزير الداخلية، وعدم قدرة «الإخوان» على حكم مصر؟!
.. أو أنه يؤكد دعاوى «الشرطة» بضرورة التسلح وإطلاق اليد في التعامل مع المجرمين، دون قيد أو شرط، ماذا وإلا.. هذا هو البديل.. سيحكم صبية البلطجة، وأولاد الشوارع والعصابات والمجرمون شوارع وميادين مصر؟
.. أم أن هذا الانفلات البشع مقصود ومتعمد لإثبات ضرورة فرض حالة الطوارئ.. ومنع التجمعات والمظاهرات والاعتصامات؟
.. أياً كان الهدف من «تعمد» ترك البلطجية يحكمون الشوارع فان «مصر» هي التي ستدفع الثمن.. والثمن سيكون باهظاً لو كنتم جميعاً تعلمون.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء