30 عاماً من العمل الصحافي، منها أكثر من 10 سنوات مديراً لتحرير صحيفة يومية، كل هذا لم يشفع لي واخطأت خطأ مهنيا جسيما اعتمادا على المنطق، واستناداً للعقل، في زمن غاب فيه المنطق.. وذهب العقل!!
في الحادية عشرة مساء اتصل بي زميل صحافي نشيط، محاولا اقناعي بحصوله على «سبق صحافي» يصلح للصفحة الأولى في «الطبعة الثانية» للجريدة والتي تصدر متأخرة، وبدأ يسرد قصة الحصول على معلومات وكتب رسمية تؤكد دراسة هيئة الآثار المصرية لعرض «من دولة خليجية» بتأجير 5 مواقع أثرية لمدة 5 سنوات بمبلغ 200 مليار دولار.
.. للأسف لم أترك الزميل يكمل استعراضه للموضوع، وسارعت لاستنكار الأمر برمته، مستخدما عبارات قاسية من نوعية.. «ان كان المتكلم مجنوناً فيجب ان يكون المستمع عاقلاً».. و«ليس كل ما تنشره المواقع من اخبار صحيحاً».. «والله يخرب بيت الفوتوشوب واشقائه من البرامج التي جعلت صفحات التواصل الاجتماعي تمتلئ بالوثائق المزورة».. و«منهم لله انصاف المسؤولين الذين يعلقون على أي كلام فارغ حتى تنشر صورهم في الصحف ونبتلى بوجوههم على شاشات الفضائيات» وصولا الى مستوى «أين مهنيتك وفطنتك وحسن تقديرك للأمور يا أستاذ؟».. والزميل يحاول جاهداً التماسك أمام طلقات الاتهام بعدم المهنية، وطعنات الرمي بسوء التقدير، وسهام انعدام الفطنة ويكاد صوته يختفي أمام «حكمة الشيوخ» التي لبست أنا عباءتها، وهو يقول: «والله العظيم اتصلت بمسؤول في الآثار وأكد لي أن الموضوع صحيح وأن دولة….»، ولم أتركه، يكمل تبريره، وأنهيت الموضوع بعبارة حادة حول ضرورة التركيز على أخبار «جادة» ويصدقها القارئ، وليس الجري على فرقعة صحافية يتم تكذيبها قبل إكمال قراءتها. وانتهى الحوار.
.. الكارثة كانت في اليوم التالي، ولا حديث للفضائيات والمواقع الإخبارية والصحف إلا عن صحة «المصيبة السودة» التي لم تنجح كل حواسي الصحافية في تصديقها.
الأخ عادل عبدالستار أمين عام المجلس الأعلى للآثار خرج مؤكداً أنه تلقى كتاباً من الأخ أيمن جوهر، رئيس قطاع مكتب وزير المالية يسأل فيه عن «إمكانية» و«قانونية» مقترح السيد عبدالله محمد محفوظ، الذي عرفه بأنه «مفكر» موقع الكتاب المنير!!.. وأنه يمثل جهة خارجية، وبالأدق دولة خليجية، و«يقترح» طرح مشروع حق انتفاع للمناطق الأثرية الشهيرة بمصر مثل: الأهرامات الثلاثة – أبو الهول – معبد أبو سمبل – معابد الأقصر، لمدة ثلاث أو خمس سنوات، من خلال مزاد علني (للشفافية) حيث يرى أن هذا المقترح بمثابة حل سريع ينقذ الموقف المالي للخزانة العامة للدولة، ويسد فجوة العجز بها، وذلك من خلال عائد المشروع الذي قد يصل الى 200 مليار دولار كقيمة إيجارية لمدة 5 سنوات متتالية.
انتهى كتاب السيد رئيس قطاع مكتب السيد وزير المالية وكان رد وزارة الدولة لشؤون الآثار أمين عام المجلس الأعلى للآثار عادل عبدالستار: «نحيط سيادتكم علماً بأن مجلس إدارة المجلس الأعلى للآثار قد قرر بجلسته بتاريخ 21 فبراير 2013 رفض مقترح السيد المذكور سلفاً حيث ان: الاهرامات وأبو الهول وغيرها من الأموال العامة المملوكة للدولة ولا يجوز التصرف بها بتقرير حق مقابل انتفاع عليها للغير».
..ويا للهول على رأي المرحوم بإذن الله تعالى يوسف بك وهبي، الموضوع حقيقي إذن!! هناك مقترح قدمه «الحاج» محفوظ واخذه «عم جوهر» رئيس قطاع مكتب وزير المالية على محمل الجد، وأعد به خطاباً رسمياً وجهه للآثار، التي اجتمع مجلسها «الأعلى» يوم 21 فبراير، وناقش المقترح، مناقشة مستفيضة قبل ان يصدر «قراراً» برفضه!
هااار أسود.. ومنيل.. ومزفتت.. بقطارين مطينة.. الحكاية بجد.. هناك «مواطن» مصري شريف.. اقترح التأجير!!.. وهناك مسؤول «عاقل» اقتنع بالاقتراح وحوله بخطاب رسمي إلى المجلس الأعلى للآثار، الذي «اجتمع» بكامل علمائه وناقش اقتراح تأجير الأهرام وأبو الهول والكرنك!! والحمد لله أنه رفضه.. ربما بأغلبية نصف الأصوات + واحد!!
.. أنا شخصياً مدين باعتذار للصحافي النشيط الذي لم أصدقه.. لكننا جميعا يجب ان نعيد تعريفنا للعقل والمنطق والاحترام والادب والقيم والمثل.. قبل ان نعتذر لأجدادنا جميعاً بدءاً من مينا موحد القطرين.. وحتى آخر «مواطن» فرعوني يتقلب في قبره كمداً.. مروراً بأبي الهول.. عفواً أجدادنا.. «ويا ريت كانت راحت عليكم نومة»!!
وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء.