هناك أسئلة متكررة يوجهها لي طلبة أقسام الصحافة وكليات الإعلام وأيضا المحررون والصحافيون الجدد حول عالم «مهنة المتاعب»: «كيف نكتب موضوعا يجذب الناس، ويحقق أعلى معدل قراءة في الصحيفة التي نعمل بها؟».
والنصيحة المتكررة التي أوجهها اليهم هي: «حتى تنجح كن دائماً صوت المحكومين لا بوق الحاكمين، وضع نفسك مكان المواطن العادي البسيط، لا مكان سيد القوم أو رجل الأعمال.. وقبل كل ذلك ضع الله دائما أمام عينيك واعلم بان الكلمة كطلقة الرصاص ان خرجت من قلمك وقرأها الناس، فلا سبيل لحجب آثارها أو إيقاف مفعولها، فضع تقوى الله أمام عينيك، واعلم بان هدفك توصيل «الحقيقة» لا تشويهها، وقل الرأي الذي تعتقد بأنه حق، لا الرأي الذي يملى عليك».. فإذا أردت ان يقرأ الناس ما تكتب فاعلم بان اكثر ما يهم الانسان: الصحة ومستقبل الابناء، والمال، والأمن، والاستقرار، ولا تنخدع بانجذابهم المؤقت لقراءة أخبار الجرائم والجنس والمخدرات وفضائح المشاهير، فربما تكون مثل هذه الأمور الاكثر قراءة.. لكنها أبداً لا تدوم، وركز على ما يزيد تلاحم المجتمع، وابتعد عما يفرق بين فئاته، ويشق صف وحدته، ويمزع سدته عن لحمته».
تذكرت ذلك وأنا أتابع مليونية «تقرير المصير» يوم الجمعة الماضي التي ضمت كل اطياف المجتمع تقريبا، ولكن كل «طيف» في منصه خاصة أو بالأحرى نصبت منصة لكل جماعة: الاخوان، السلفيون، العلمانيون، اليساريون، الحازميون، الشاطرون،.. وحتى «الاسرائيليون» كان لهم وجود حيث ضبطت كاميرا «الوفد» اسرائيلياً وقد وضع ختم نجمة داود على قفاه!
في مليونية الجمعة الماضية تم رصد أكثر من 50 حركة سياسية، لكل اجندتها.. ولكل مآربها ولكل شعاراتها.. ولكل «بوسترات» من يؤيدها،.. ولم يستطع احد السيطرة على الميدان، أو الالتزام بميثاق شرف مثالي يضع «مصر» فوق الاحزاب والحركات والتجمعات والاجندات.. ووصل الأمر الى تطاير الأحذية تجاه الدكتور محمد البلتاجي، عضو مجلس الشعب والقيادي الاخواني البارز، ثم الاعتداء على الحافلات التي حملت اعضاء جماعة الاخوان لدى مغادرتهم الميدان، وأُلقي اللوم على اعضاء جماعة 6 ابريل الذين سارعوا الى نفي التهمة، واعلان تنظيم مسيرة للتضامن مع الاخوان.
ما هي النتيجة.. أطلق «الشركاء» في الوطن تجمعا ضم «الفرقاء» في العمل، وأسموه جمعة «تقرير المصير» ولم يقرر فيه مصير «مصر»، وأرادوها جمعة «لمّ الشمل» فاعتدى بعضهم على بعض، وارادوها جمعة «لا للفلول».. فشمت فيهم الفلول والأعداء، وتمنوها جمعة «حماية الثورة» وأخشى أن تغتال الثورة.. وهم يتشاجرون حول جثتها!.. ولا أحد يدري من يدفع بمصر إلى الهاوية؟
.. وفيما هم يتشاجرون.. ويتناحرون.. يدخل اقتصاد مصر مرحلة الخطر المحدق.. والأشقاء يتفرجون، وتتدهور صحة المواطنين وتتراجع كل أنواع الرعاية الصحية.. والأهل لا يبالون،.. ويضيع الأمن ويفتقد الأمان والفلول يشمتون.. ويدخل مستقبل تعليم أبنائنا نفقا مظلما والجميع مشغولون في التحديق بكل ما يخرج من جراب «الحاوي».. مندهشون تارة.. وأخرى مذهولون.. صارخون مرة.. وأخرى صامتون.. ضاحكون مرة.. ومرة لاطمون.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم إني أستودعك مصر بلدي.. أهلها.. وأرضها، نيلها وترابها.. تراثها ومستقبل أبنائها.. إنك حفيظ عليم.
اللهم عليك بكل من يريد بمصر سوءاً.. فاجعل كيدهم في نحورهم أجمعين.

حسام فتحي
hossam@alwatan.com.kw
@hossamfathy66