اليوم بإذن الله أبدأ إجازتي السنوية المعتادة، والمقسّمة بين مصر المحروسة لأطمئن على «قلب» أمي الذي أثقلته هموم «غربة» اثنين من أبنائها وابنتها الوحيدة، ولم يعد قادراً على «النبض» إلا بمساعدة «بطارية» تنظم ضرباته المتباطئة، ثم كندا حيث تنتظرني بناتي الثلاث وزوجتي وحفيدي.. وكلب الأسرة الوفي (ميلو) الذي مهما طال غيابي عنه يكون استقباله شعلة اشتياق.. وجذوة وفاء.. يعبر فيها عن مشاعر سعادته بكل ما يستطيع من تقافز ونباح وغمغمة حروف يكاد ينطق بها، ضاربا أروع أمثلة الوفاء التي لا تجدها لدى كثير من البشر.

لا أعرف تحديداً لماذا تختلف مغادرتي الكويت هذه المرة عن عشرات المرات التي غادرتها فيها وعدت إليها في إجازات تطول أو تقصر، إلا أنني في كل مرة أعود إلى بيتي الثاني ومكتبي في صحيفة «الأنباء» الكويتية التي سكنت جدرانها وسكنت قلبي طوال 33 عاما، اقتطعت منها 10 سنوات مديرا لتحرير صحيفة «الوطن» قبل أن أعود إلى بيتي الأول «الأنباء» مرة أخرى قبل 7 سنوات.

وطوال هذه العقود الثلاثة لم تنقطع صلتي بمصر، فقد عملت مديراً لمكتب مجموعة «الصحفيون المتحدون» التي أسسها الصديق العزيز عماد الدين أديب وضمت صحيفتي «العالم اليوم» و«نهضة مصر» ومجلتي «كل الناس» و«آدم» ومجموعة «جود نيوز»، ثم مديراً لمكتب مجلة «الأهرام العربي» ومراسلاً لـ «الأهرام»، وأخيرا وحاليا مديراً لمكتب دار «أخبار اليوم» ونائباً لرئيس تحرير «الأخبار». مشوار طويل مع «الغربة» بكل آلامها وأحلامها وأسفارها ومكاسبها و«أمراضها»!

في «الغربة» تنجح في تحقيق بعض أحلامك «الاقتصادية» التي «ربما» لو بقيت في بلدك ما تحققت، أو ستتحقق في وقت أطول قليلاً، وفي «الغربة» تدور الأسئلة كالرحايا تطحن الأفكار والأيام.

٭ ما ثمن الفزع المتواصل الذي تعيشه يوميا مع كل صوت رنين مكالمة دولية.. مستعيذا بالله أن تكون نذيراً بفقدان عزيز لن يعوض؟

٭ وما قيمة كل الماديات أمام فقدانك لحبيب وأنت في الطرف الآخر من العالم، تبعد مسيرة نصف يوم بالطائرة عن قاهرة المعز، ولا تملك فرصة إلقاء النظرة الأخيرة عليه أو طلب السماح والعفو منه؟

المصريون في الغربة أنواع: الأول «محدد المدة يقضي سنواتها بسرعة ويعود لمصر، والثاني: خرج من مصر مجروحاً وقرر ألا يعود أبداً، والثالث: حباه الله القدرة على التأقلم فاغترب واستقر سعيداً في بلد جديد، أما الرابع: فتتعذب روحه في غربته كل يوم وإن شاء الله أن يستمر فيها ثلث قرن ولكن يعيش بأمل أن يأتي اليوم الذي يحمل فيه عصاه ويعود إلى استنشاق عبق حواري الحسين والغورية والدرب الأحمر و«تحت الربع» والخرنفش والقلعة والسيدة زينب..

أستودعكم من لا تضيع عنده الودائع وأستأذنكم في التوقف عن كتابة «طيب!!!» حتى يشاء الله..

وحفظ الله مصر وأهلها من كل سوء.