.. أواصل من حيث توقفت بالأمس مع تجمع أشقائنا العرب والأفارقة في «رحاب» المحروسة، قلب العروبة وحضنها المفتوح لاحتواء كل الضيوف اللائذين بدفء مصر بعيداً عن بلادهم التي يمتحنها المولى بساسة لا يتقون الله، أو ميليشيات لا تعرف له طريقاً.

.. ولكن لماذا مصر بالذات؟ طرحت سؤالي هذا على «ضيف» (نصف لبناني ونصف سوري) فأجابني بلهجة «قاهرية» يبدو أنه أتقنها من طول «العِشْرَة»: يا سيدي انظر حولك.. نصف عالمنا العربي يموج بالحروب والثورات والمظاهرات وصراعات الأحزاب الداخلية وتدخلات الجيران وسيطرة القوى الإقليمية، ومواطنو هذه الدول مطحونون، يدفعون الثمن غالياً من أرواحهم وأحبائهم وممتلكاتهم، ومن أكرمه الله وتمكن من مغادرة وطنه.. يتلفت حوله شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، فيجد إما دولاً شقيقة يصعب - وأحياناً يستحيل - الحصول على تأشيرة لدخولها، فما بالك باللجوء إليها والحياة والاستقرار فيها حتى يزيح الله الغمة عن بلادنا، أو دول ذات نفقات مرتفعة لا تقدر عليها، فلا نرى سوى «مصر» حيث الأمن والاستقرار والأمان، دون وضعنا في معسكرات على الحدود، أو حجزنا في تجمعات خارج المدن، بل كما ترى نعيش ونتمازج وسط 100 مليون مصري شقيق، ولا نشعر سوى أننا أصحاب البيت.

تمعنت في كلام الرجل، وحمدت الله على نعمة الوطن، وتذكرت أن قطار «الربيع العربي» قد «دهس» دولاً شقيقة، وتوقف أيضا في مصر، لكن الله ستر، وتجاوزنا الأمر بسرعة، بينما تحول الأمر إلى كابوس في دول عربية عديدة نعرفها جميعا، وتحولت مصر إلى ملجأ وملاذ لملايين العرب، وحسب إعلان الرئيس السيسي فإن المحروسة «تستضيف» حوالي 5.5 ملايين شقيق، لا يحمل غالبيتهم العظمى صفة «لاجئ»، بين يعيشون ويعملون بنفس شروط وامتيازات وحقوق المواطن المصري.

وتقول الأرقام على سبيل المثال إن عدد «اللاجئين» السوريين المسجلين لدى مفوضية اللاجئين في مصر لا يتجاوز 130 ألف سوري، بينما «الأشقاء» السوريون المقيمون إقامة دائمة يتجاوزون 550 ألفاً.. وهكذا الأمر بالنسبة لبقية الجنسيات العربية والأفريقية.

وأعتقد أن السبب الاقتصادي ليس الوحيد في جذب «الأشقاء»، بل هناك أيضاً ما يتمتع به المصريون - حقيقة - من سماحة في التعامل مع الأشقاء، والقبول المجتمعي للآخر، و«التسامح الرسمي» مع العديد منهم رغم دخولهم بأوراق مؤقتة ثم الاستمرار دون تجديدها، مع عدم وجود «حساسية» لدى المصريين من تمتع «الضيوف» بالخدمات التي تدعمها الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر.

مرة أخرى.. أهلاً وسهلاً بالأشقاء..

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية..

وحفظ الله مصر وأهلها من كل سوء.