«وحشتوني».. شهور طويلة امتنعت فيها عن «فعل» الكتابة بإرادتي الكاملة لأسباب متعددة ومختلفة، منها الصحي والحياتي، ومنها الرغبة في الحصول على «استراحة» أعيد فيها ترتيب الأوراق، والرؤى والأفكار، ووجهات النظر في أمور كثيرة أهملتها، ولم أعطها حقها من الاهتمام، فكان لابد من إعادة ترتيب الأولويات.

المهم.. قضيت الشهور الثلاثة الأخيرة في مصر المحروسة، أغلبها «ضيفا» ثقيلاً على «دار الفؤاد» ذلك الصرح الطبي المحترم، وأحياناً «زائراً» على بعض الأهل والأصدقاء، وكثيراً «سائحاً» يرى في بلاده بعضاً مما حلم به طوال أربعة عقود على الأقل، والحمد لله أمد الله في عمري لأرى بعضاً من هذه الأحلام يتحول إلى حقيقة.

بحكم إقامتي في منطقة «التجمع الخامس» وبالقرب من مدينة «الرحاب» كانت أغلب الجلسات المسائية تتم هناك بين مطاعمها ومقاهيها العامرة، ووجدت أن هذه المدينة تحولت إلى «ظاهرة» فريدة تحمل العديد من المؤشرات المهمة.

و«الرحاب» هي حي سكني متكامل في «القاهرة الجديدة» شرق محافظة القاهرة، وهي أول مدينة سكنية ينشئها القطاع الخاص، تبلغ مساحتها نحو 10 كيلومترات مربعة، ويحيط بها سور أمني متصل تتخلله أكثر من 20 بوابة لدخول وخروج السيارات، أما لماذا تحولت «الرحاب» الى «ظاهرة» لم أجد مثلها في اي دولة زرتها حول العالم، فذلك لأنها أصبحت تحتضن «عصبة أمم»، المطاعم سورية ولبنانية، يحمل اسمها غالباً كلمة «الشام» ومشتقاتها، وأغلب العاملين بمطابخها من الأشقاء السوريين، أما الزبائن.. والضيوف.. وقاطنو المدينة فهم خليط من المصريين والسوريين والعراقيين والليبيين والسودانيين واليمنيين واللبنانيين والفلسطينيين والتونسيين،.. وفي إحدى المرات وقف خلف طاولتي شابان في أوائل الثلاثينيات يرتديان زيا متماثلا عبارة عن عمامة سوداء وجلباب أسود لامع قصير وحذاء أسود، ويتحدثان خليطاً من الفرنسية والعربية بمفردات لم أستوعب منها سوى (القاعدة - شرع الله - الإخوان - خراسان - الحق)، وبعد رحيلهما سألت النادل عنهما فضحك، وقال: لا تخف، إنهما طالبا علم من الجزائر الشقيق!!

نعم.. في «رحاب» المحروسة تجمع الأشقاء يطلبون أمان العيش، ويتدفأون بمشاعر المصريين التي تحتوي الغريب قبل القريب، فما بالك بأخ تشهد بلاده حربا أهلية، أو شقيق نجا بأسرته من ميليشيات مسلحة ذات رصاصات طائشة، أو عربي استيقظ ليجد وطنه تم تقسيمه بين القوى الإقليمية ولم يعد له مكان فيه، أو قريب صحا ليجد أغراباً يسيطرون على بيته ويوجهون السلاح لصدره وصدور أهله.. الحمد لله.. وعمار يا مصر.. يا قلب العروبة وصدرها الحنون.

.. وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

وحفظ الله مصر وأهلها و«ضيوفها» من كل سوء.