رحم الله ضحايا كارثة قطار «محطة مصر»، ونحتسبهم عند الله شهداء بإذنه تعالى، ودعاء من القلب أن يعجّل الله بشفاء المصابين.. شفاء لا يغادر سقما، ويلف بالصبر والسكينة نفوس أهاليهم وأصدقائهم.

«بيت المهمل يخرب قبل بيت الظالم».. هكذا يقول المثل الشعبي، وللأسف كم من دماء سالت وأجساد احترقت أو غرقت أو تقطعت أوصالها بسبب إهمال «فرد» واحد، أو ثقة شخص «معدوم الضمير»، بأنه لن يحاسب، أو قناعة كائن تجرد من إنسانيته وفقد كل معنى للإحساس بالمسؤولية في حدودها الدنيا فتسبب في كارثة!

وسط ألسنة النيران التي أشعلت «محطة مصر»، وأدت إلى تفحم جثث كان أصحابها قبل ثوان تملؤهم الأحلام في المستقبل وصور لقاء أهل وأحباب ينتظرونهم، تتداعى صور الإهمال والفساد والتسيب التي نعاني منها.

.. عامل تحويلة قطار «ينسى» تحويل المسار فيصطدم قطاران وجها لوجه، .. «مراكبي» يحمّل «المعديّة» أضعاف العدد المسموح به فيغرق العشرات في عرض النيل، .. سائق حافلة ركاب يتهادى مغازلا «راكبة» بجواره فيسقط مع عشرات الركاب من فوق جسر، .. وزميله سائق سيارة النقل الذي يترنح «منتشيا» بفعل المخدرات فتتصادم بسببه عدة سيارات وتسيل الدماء، .. ومهندس الحي الذي يتغاضى عن الارتفاعات المخالفة وزميله الذي يسمح بمخالفة مواصفات مواد البناء فتسقط البناية على رؤوس ساكنيها الأبرياء، .. وغيرها الكثير من حالات الإهمال الفج والفساد الوقح واللامبالاة الكارثية التي يروح ضحيتها أفراد أو جماعات حسب حجم الإهمال، الذي هو في النهاية رغم «فردية» مرتكبه إلا أنه يعبر عن «حالة» ينبغي مواجهتها بكل ما تملك الدولة من إمكانيات، وإعطاؤها الأولوية ضمن قائمة أولوياتنا.. الطويلة!! أولوية بناء الإنسان!

لا أحبذ «جلد الذات»، فالكوارث تحدث في كل دول العالم، الأول أو الثالث، لكن ذلك لا يمنع أن لدينا «إشكاليات» في مفهوم «المسؤولية»، والمحاسبة والمتابعة والثواب والعقاب، منظومة فاسدة يجب الاعتراف بوجودها ومواجهتها بدءا من سيادة المستشار الذي يطلق كلابه «الشرسة» دون قيد أو كمامة لتعقر الأطفال.. وليس انتهاء بسائق القطار.. والحافلة العامة.. و«الميكروباظ».. والمركب ومهندسي الأحياء.. وغيرهم ممن يؤدي إهمالهم وضعف الرقابة عليهم إلى كوارث تتعدى نتائجها الفرد الواحد لتصيب أحيانا مجتمعا بأكمله.

أما «فضيحة» إعلامنا الحكومي والخاص الذي تأخر.. وتقاعس كالعادة في قطع إرساله وإعطاء المواطن «حقه» في أن يعلم فأكاد أيأس من الحديث عنه، وأتمنى عودة «وزير إعلام» يرحمنا مما نحن فيه.

.. وأما هؤلاء الراقصون على أجساد الموتى، الشامتون في كارثة مصر، فلا وزن لهم.. وليسوا سوى كتلة عفن في مزبلة التاريخ.. سيذهبون وتبقى بهية.. محروسة..

وحفظ الله مصر وأهلها من كل سوء.