مازلت أذكر شكل قطع الكرتون المستطيلة المتدلية من عدة بلكونات والهواء يحركها حيناً.. ويلفها حيناً آخر لتظهر عليها عبارة «شقة للإيجار».

نعم في أيام طفولتي البعيدة كانت مثل هذه اللافتات البدائية تتناثر معلقة في البلكونات، وكان أصحاب المنازل الشاغرة يشعلون داخلها «البخور» حتى يذهب عنها النحس وتجد من يستأجرها!!

كانت إيجارات الشقق في الأحياء الشعبية لا تتعدى حفنة من الجنيهات شهرياً، ووقتها تفاوض جدي لشراء شقة «تمليك» في برج فخم ببداية شارع رمسيس من جهة ميدان التحرير، ورفضت جدتي بحدة أن يــدفع 5 آلاف جنيه مصري ثمنا للشقة، مؤكدة ان الأمر يقترب من إلقاء الأموال على الأرض، وألحقت شرحها بالمثل الشهير «اللي معاه قرش محيره.. يجيب حمام ويطيره»!!

رحمهما الله.. وسامحهما.. هو على عدم تمسكه برأيه.. وهي على حسن نيتها!!

بعد نصف قرن على هذه الواقعة جرت في نهر العقارات المصري مياه كثيرة، وتبدل الحال أو قل تفجّر.. مرات ومرات، ومنذ فترة لا أدري حقيقة ماذا يحدث في هذا القطاع الحيوي من الاقتصاد المصري، قرأت كثيرا من الآراء المتضاربة، وقارنت أوضاع السوق في دول تتشابه معنا في الظروف الاقتصادية والسكانية، وأخرى تسبقنا بأشواط كثيرة، وفي النهاية بالكاد استوعبت حجم المشاكل، لكن تأكدت من أن الإلمام بالحلول يحتاج جهودا أكبر بكثير مما يبذل الآن.

المعادلة تبدو بسيطة: طلب (نمو سكاني) + عرض (وحدات سكنية) + مطور (شركات) + تمويل (بنوك أو أفراد) + أراضي + قوانين منظمة.

وبداية هناك العديد من «المشكلات بلا حلول» التي أدت إلى حالة من الفوضى في سوق العقار، الخاسر الأول والأكبر فيها هو «المواطن» سواء الراغب في الشراء، أو البيع، فلا توجد أية ضوابط تحكم عملية «التسعير» سوى ما يفرضه «المطورون» - التسمية الحديثة للمقاول - وكذلك ما يحكم به «المسوقون» - التسمية المطورة للسماسرة - في ظل طلب يتنامى طبيعياً لشعب تعداده تجاوز الـ 104 ملايين نسمة!

ما دفعني الآن للكتابة هو تفاقم الأمر وخروجه عن السيطرة، ثم نجاح حملة «#خليها تصدي» التي تصدّت لجشع بعض تجار السيارات، وتساءلت بما أن العقار «يمرض لكنه لا يموت»، فهل يمكن أن تنجح حملة مشابهة للتصدي للغلو في ارتفاع أسعار العقار ولتكن (#خليها تمرض) لعل وعسى؟!

..وللحديث بقية إن كان في العمر بقية..

وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء.