مثل أشياء كثيرة شوهتها أصابع التدهور التي عبثت في قاهرة المعز الحبيبة التي تربيت في قلبها، أصبح حال «سور الأزبكية» الذي لحق بأثر آخر دمعت عيناي لما حدث له ألا وهو «كوبري أبو العلا» العتيد.

سيشعر بما أقول كل من تربى ونشأ في شوارع قاهرة المعز، وقضى ليالي الصيف متمشيا على «كوبري أبو العلا»، و«انحنى» على «فرشة» كتب بائع محترف على سور الأزبكية العتيق.

لا أنسى أبداً هذا «الانبهار الطفولي» الذي صعقني وشملني وأنا بعد لم أبلغ عشرة أعوام عندما اصطحبتني أمي - حفظها الله وأمد في عمرها - لأول مرة بعد ظهر يوم خميس إلى سور الأزبكية الشهير، ووقفت أمام أول فرشة بجوار مدخل «مسرح الأزبكية» كمن فتح عينيه ليجد نفسه داخل «مغارة علي بابا»، وقفت أمي بجواري مبتسمة وتركتني.. أنحني.. ثم أجثو على ركبتي.. قبل أن أغوص مشدوها وسط رصات الكتب أقلبها.. وأتهجأ عناوين أغلفتها لأحتضن بيدي الصغيرتين كتابا.. ثم اثنين ثم ثلاثة، وعندما حاولت إضافة الكتاب الرابع.. وقعت «رصة» الكتب من بين يدي، لينخلع قلبي، كما لو كانت مصنوعة من كريستال قابل للكسر.. لتتدخل أمي مساعدة إياي وهامسة، اشتر كتابين فقط في كل مرة، وإذا قرأتهما فسنحضر لنشتري غيرهما، ..وكانت أول مرة أستشعر الحيرة في اتخاذ القرار، وبكل «لؤم» الطفولة البريئة، احتضنت 4 أجزاء صفراء كتب على غلافها «ألف ليلة وليلة»، وتحتها كتاب آخر باسم «الأمير حمزة البهلوان» وتساءلت: «مش ده كتاب واحد.. بس 4 أجزاء؟»!!

ابتسمت أمي.. ودفعت للرجل.. مبلغاً محترماً بمعايير أوائل السبعينيات، وبدأت علاقة أسبوعية مع «سور الأزبكية» لم تنته أبداً!!

تذكرت كل ذلك وأنا أشاهد افتتاح مبنى «دار الكتب» التاريخي بحضور «شيخ الثقافة العربية، ورمزها الأبهى الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى لدولة الإمارات.. حاكم إمارة الشارقة، وهو يتحدث بكل الحب الصادق عن مصر ويقول: ليتكم عرفتم مصر».

ويضيف: «كنت كثير التردد على سور الأزبكية، وجمعت من خلاله الكثير من كتب التراث، وأنا على استعداد للإبقاء عليه بالصورة الحضارية المطلوبة»..

شكراً جزيلاً شيخ الثقافة العربية، وأدعو الله أن يستجيب المسؤولون لمبادرتك الكريمة، وأن تتشرف مصر بإتاحة الفرصة لمؤسستكم بإعادة «البهاء» لسور الأزبكية العريق.. حتى لا يلحق بطيب الذكر كوبري أبو العلا!!

وحفظ الله مصر وأهلها من كل سوء.