.. عرفته قبل أكثر من عشرين عاماً، خارج مصر وهو يشارك بنفسه في معرض عقاري لتسويق مشروعه.. الحلم.. مدينة كاملة وسط الصحراء، تبعد عشرات الكيلومترات عن قلب القاهرة، ولا يحتاج قاطنها لمغادرتها، إلا للمعاملات الحكومية.
متحمسا انطلق «س» - وعذراً فلو وضعت حرفاً آخر لعرفتموه!!- يحادثني عن مشروعه العملاق، ذهنه مرتب، وعباراته قوية وأفكاره واضحة، وتعابير وجهه تنقبض كلما انفعل، وزبيبة الصلاة في جبهته تدل على ورعه، ظل يشرح لي أحلامه، بحماسة بالغة، وكيف واجه الصعاب، والمشكلات والبيروقراطية، والحسد والحقد وسوء أخلاق صغار الموظفين، وفساد كبار المسؤولين،.. حتى باغتّه بسؤال: أنت رجل أعمال كبير، ولم تتجاوز الخامسة والأربعين، فقل بصراحة، ألم تضطر إلى دفع رشاوى للحصول على أرض بآلاف الأفدنة، حتى لو كانت وسط الصحراء؟.. أطرق قليلا، ولفنا صمت قطعه أذان الظهر، فقام للصلاة، وعندما عاد بدأنا استكمال الحوار، وواصل شرحه لمشروعه العملاق، لكنني لاحظت ان حماسته فترت، واندفاعه تراجع، أنهيت حواري، وأغلقت جهاز التسجيل، ثم سألته: لم تجبني على سؤالي؟ والآن، بعيداً عن التسجيل، هل ستجيب؟
تنهد الرجل، وأقسم أنه فعل ذلك، واضطر لتقديم رشوة ضخمة لرجل النظام القوي (ز.ع) حتى يتم تخصيص الأرض له، ثم رشوة ضخمة أخرى لمسؤول كبير حتى يحصل على الموافقات اللازمة، وأن ضميره يؤنبه لذلك، على الرغم من تأكده من عدم استيلائه على أرض للدولة، وعدم اغتصابه لحق مواطن، وعدم اعتدائه على منافس.
.. خلاصة الأمر أن هناك رجال أعمال كثيرين أمثال صاحبنا (س)، يتقون الله في أعمالهم، لكنهم اضطروا في زمن الفساد إلى اللجوء إلى طرق فاسدة لتنفيذ مشروعاتهم الشريفة، وإن لم يفعلوا لما «سارت مراكبهم» في نهر الفساد.
وهنا يجب أن نفرق بين من اضطر وأخذ حقه فقط، ومن «استمرأ» الفساد، و«اغتصب» أرض مصر بأسعار زهيدة، بلغت 50 قرشاً للمتر في إحدى الحالات.
وهذا النوع الأخير، احتال ورشا واغتصب وسرق، واستولى بالرشوة على أرض مصر، ولكن من رشاهم «ستفوا» أوراقه بحيث تصبح قانونية تماماً، وغالباً لن نتمكن من استرداد حق مصر منهم بالقانون، والأفضل أن يتم الضغط عليهم «ودياً»، حتى يعيدوا لمصر جزءاً مما لا تستطيع إعادته «العدالة المعصوبة العينين»، التي لن تجد في «الأوراق» ما يدين.
هؤلاء لن ينفع معهم «سيف الحياء»، ولابد من «سيف السلطان»، دون أن «نرهب» المستثمرين الشرفاء، ودون أن نترك حق مصر، لدى «غير الشرفاء» ممن لديهم استعداد لإعادة جزء مما نهبوه، حتى لو في صورة مشروعات غير ربحية، أو مساهمات في صندوق «تحيا مصر».. وذلك مقابل إغلاق الدولة لملفات مشروعاتهم التي تخالف العقل والمنطق لكنها- للأسف- لم تخالف القانون.
أما من تثبت عليه المخالفات قانونيا، فالقضاء بين مصر وبينه.
وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء.